الأخبار

ندوة إطلاق كتاب باحثات السابع عشر

 

الأربعاء 13 كانون الأول 2017

معرض بيروت الدولي للكتاب- البيال

كلمة الأمينة العامة دكتورة عزّة الحاج سليمان:

يغتنم تجمع الباحثات اللبنانيات اليوم ، فرصة معرض بيروت الدولي للكتاب للعام 2017،  ليشارك الأصدقاء فرحة إطلاق كتابه السنوي ال17 تحت عنوان "الزمن: مقاربات وشهادات "

هذا الموضوع الذي أثار الكثير من التفكير والنقاشات أثناء التحضير لمسودته بين عضوات اللجنة سعياً لحصره في إشكاليات واضحة تسهل على الكتاب المشاركة، فكان الموضوع يزداد توسعاً وسع الآفاق التي فتحت في ظل العولمة الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، ويزداد تعمقا عمق تاريخنا والأزمنة المتراكمة والمتداخلة والمتشابكة، ويزداد تعقيداً متشابهاً مع زمننا الحالي المنقلب المقاييس والمتفلت الأبعاد... أو ربما ذي الهوية الخاصة غير القابلة للتحديد، فيتطابق الواقع بذلك مع مفهوم الزمن.

فبين التاريخ ومراحله، وبين آفاق الحرية ومدة السجن، وبين الوقت ووطأته، وبين الماضي والحاضر والمستقبل، وبين الحياة كقيمة إنسانية وتحويلها عبر الوقت إلى قيمة استهلاكية، وبين الحياة وما قبلها وما بعدها، وبين المنافسة والتسابق، و بين السرعة والتسارع، وبين الجمود والاستمرار ... يبقى الزمن هو العامل الأساسي العصي على السيطرة والرافض للحدود. هذا العامل الذي شغلنا كلجنة من تجمع الباحثات خلال سنتين، وشغلنا معنا مجموعة من الباحثات والباحثين العرب إضافة إلى الزميلات في تجمع الباحثات،  تجسد في لحظة انتهائه انتاجاً فكرياً يستمر أثراً، نبدأ منذ اليوم مناقشة أبعاده.

 

كان سؤال الكتاب الأساسي يتمحور حول علاقاتنا الراهنة كأفراد وشعوب ودول عالم ثالثيةعربية بالزمن، هذا الزمن الذي يوصف بـ "زمن العولمة"، أو زمن "بعد ما بعد الحداثة"، في ظل ما نشهد من تسارع عام للتغيّر الاجتماعي. كيف يسهم هذا التسارع الزمني المعيوش في إعادة تشكيل نظام القيم والعادات الخاصة بكلّ منّا؟

 

 

مداخلة الدكتورة أنيسة الأمين مرعي

 شوق " الباحثات" للإمساك بالزمن

يوم تمّ اقتراح مشروع العلاقة بالزمن  ، ككتاب سنوي ، في الجمعية العمومية للباحثات ، وكان ذلك في زمن داعش، كنت أستمع للنقاش وفي ذهني فكرة واحدة: الزمن والعنف. بعد ذلك أعربت عن رغبتي بالمشاركة، ولكن الذي حصل هو أنني نسيت كلية الموضوع. نسيان بالمعنى الفعلي للكلمة. بعد معايشتي لنصوص الكتاب ، أفهم اليوم ، أنني وقعت في كبت مواجهة الزمن. والكبت هو ذلك العماء عن الإدراك والوعي الذي يتمثل في المحو والنسيان . استعرت  يومها ، على ما يبدو لي ، عنف داعش لأستر وعي عنف الزمن على وجودي وعلى عمري.

 قرأت كل نصوص الكتاب قبل موت أخي الأصغر مني . كنت أقرأ وأندهش من جرأة الباحثات في مقاربة موضوع على هذه الدرجة من القوة ، وأسمح لنفسي القول ، ومن العنف أيضاً.  كان كثرة متفرقة تتحداني . قرأته مرة ثانية  في غمرة الحداد على طفل كان يغني لي دائما : "أختي الكبرى ما أحلاها.".  أدركت خوفي من وطأة الزمن والعمر. الخوف مما لا أستطيع الإمساك به. الخوف من لعبة تغييب الذات عن التدخل في الزمن.

 هي صفعة الموت وضعتني أمام" كتاب الزمن " ودرامية الوجود البشري .

 أقفلت الكتاب مدركة كم نغفل جميعا عن التوقف أمام هذه اللعبة التي تواجهنا، نحيد عنها ولكن نعيشها في دواخلنا، نوعد انفسنا كما توعد الشعوب نفسها وتنتظر زمنا يتغير. هكذا فعل الحراك العربي على امل الربيع والياسمين. لم اتحمس كثيرا للنصوص التي بالغت في مديح أثر التواصل السريع لدىى نساء ورجال الحراك العربي الهادر . تماهيت معهم ومع احلامهم. انقلب الزمن علينا جميعا .

 الحلم والأمل في جوانيتنا، في  متخيل Imaginaire لنا نغذيه ونعيش عبره في حالة من الوعد، ولكن لا ننتبه أننا في عالمنا العربي ، ننشأ  في ترميزSymbolique عام أكبر وأثبت وأشد وطاة . هو عالم لغة ترسمنا، نرضعها مع الحليب وتتسجل حروفاً على وسع  الجلد ، ودهاليز الشعور والسلوك. نرتمي في واقعي Réel سمّته نجلاء حمادة في عيشها البحث عن حريتها. يبقى هذا الواقعي هو نواة يومها ، برغم كل استعانتها بمفكري الكون . هذا الواقعي ليس الواقع الخارجي الموضوعي Réalité . الواقعي ، حسب تعبيرها ، هو ترجيح عيش لا يردفه المنطق. الواقعي هو بذاته ، الزمن الخاص بكل فرد.

 من هذه العدسة الثلاثية الأبعاد RSIالتي أرساها المحلل النفسي جاك لاكان : الرمزي والمتخيل والواقعي احتضنت نصوص كتاب حبكت خيوطه ، المنسوجة بإتقان، عيون صديقات ألمُ شوقي إلى شوقهن بزمن أفضل.

  ما هي رغبة الباحثات ؟ بل ما هو شوقهن!

مفردة شوق هي ترجمة رجاء بن سلامة لل Désir والتي درجنا على التعبير عنها ب الرغبة. هذا الشوق هو السير في الزمن ، لملاقاة ما نصبو إليه، عبر هذه المساحات الثلاث المتداخلة :

  الرمزي

 إذا كان الزمن هو الله ، هو الأكبر، هو السلطات  التيوقراطية ، وأنظمة الدول والمؤسسات الدولية ، فإنه يتسجل في  العام ، وفي الذات على شكل تشريعات وقوانين ناظمة وحارسة لحياة الناس ، وترتيب العلاقات المجتمعية والذوات الفردية، بصورة ألواح وكلمات جاءت في نصوص الكتاب ، ابتداءً من الإمساك بالجسد وصولا إلى الحفاظ على التراث والأغاني والشعر والطقوس والتذكر، كما جاء في نصوص  حسين قبيسي و فاديا حطيط وعزة سليمان وجين مقدسي وسلمى سماحة وأمل حبيب . يصل هذا  الترميز إلى حد الإطباق على الكائن في مدار السجن ، كما جاء في نص هيفاء زنكنة، حيث يصل العنف الرمزي والفعلي إلى تحويل الكائن للتفكير في وقت الأكل ووقت قضاء الحاجة، بينما نحن بحاجة للوقت للتفكير والقول والكتابة، كما كتبت أفلين حمدان. هذا الزمن يهرب منا في كل لحظة ويرمينا في درامية الوجود البشري كما جاء في نص عبد القادر بن عرب وهرب الطفولة لدى مي جبران.

المتخيل

أما المتخيل فهو يقع في تلك الأحلام والآمال في التحكم بالزمن ولي عنق الدهر. تحاول الشعوب ،  كما جاء في نصوص كلا من محمد الحداد وعبد الله الحيدري وخالد غزال  وعلي محمود شكر ، ولكن ، ينجح المبدعون في الفن والمسرح والرواية من اللعب على تداخل الأزمان الماضية والحاضرة والغدية.  كما جاء في نصوص وطفاء حمادة ونازك يارد . في المتخيل أيضاً يندرج الخطاب والتزوير والمحو وإغفال الحقائق. هنا نجد لدى كل باحث وباحثة رغبة في الإمساك بالزمن ،كلاً على طريقته، وحسب الموقع الذي يرى من خلاله. وما علينا سوى قراءة النصوص، لنجد أين يقع ما هو قائم \ الرمزي\ وأين يقع المأمول والمرغوب ، في متخيل مغاير، ربما يمكن تسميته نقداً لسياق سير الزمن ، تقليدياً كان أو متسارعا في القرية الكونية المعاصرة.

الواقعي

تكتب خاتون سلمى بعنوان  " البحث عني " :

" بقلم رصاص أكتب، أستمتع بمحوي، لا أشطب ،لا أنزف، لا ألهوبتبديل جرحي، فقط رصاص وممحاة، ألغام خفية، انفجارات ناعمة كالهواء، فقدت عينا...أمحو، فقت رجلا ... أمحو، فقت يداً... أمحو، فقدت كلي؟!...أبدأ من جديد". هذا هو الواقعي الفالت من أي ترميز. بمعنى كيف يمكن ان تدخل هذه المعاني في ما هو عام ورمزي. الواقعي يفلت من أي ترميز.. هو ليس الواقع الموضوعي، هو واقع خاص بشعب أو ذات، سواء كان رجل الربيع العربي أو أرض فلسطين او ذاتاً أنثوية. كيف نفهم كلمة رجل مصري إبان الحراك تلك الجملة : " لأول مرة أشعر أنني رجل " . هذا الواقعي هو ما نعمل عليه في العيادة التحليلية . هو المستتر المقيم وراء أي اداء او سلوك.

 زمن  السرعة

يكمن الدافع وراء تيمة الزمن في هذا الكتاب ، في التحول الهائل في وتيرة سير الزمن. انتقلت المرجعية من الإله والميتافيزيقا إلى العلم والتقانة. تم الإطباق على الناشئة وصارت ساحة غوغل ومحرك ياهو مرجعية قائمة من دون حدود. No Limit’s. كما نجد في نصوص نهوند القادري ولمى  كحالة وبيسان طي  . نسبح في فضاء لا متناهي. كان هذا الفضاء ل لله والآباء . اليوم صار الكائن السابح " على قلق كأن الريح تحتي" حسب قول المتنبي. وهذا ما نجده في المقاربات الفكرية لزمن ما بعد الحداثة الفائقة.

تحول  مفهوم الزمن مع الخطاب الرأسمالي إلى وقت ، في العصر الفائق الحداثة ، مع التقدم الهائل للتكنولوجيا. تم تسليع الوقت، وتحويله إلى فائض قيمة plus-value. وتم تسويقه لدى إنسان اليوم إلى فائض متعة Jouir-plus. كما تخبرنا صورة الإعلانات التي تستدعي نوازع مدفونة في الذات وتحويل هذه الذات  إلى كائن متعة قاتلة ،  لا حدود لما تهفو إليه . متعة، نجدها اليوم في هوى الإدمان، سواء على المواد المخدرة أو على الشراء او على الإستهلاك بكل أشكاله. استدعاء عبوديته وتوظيف نزواته . يُدفع إنسان اليوم إلى ما يسميه جاك لاكان  المتعة.  Jouissance. زمن يجتاح الكائن ويلغيه ككائن متكلم وراغب. كما نرى في العمل في الشركات الكبرى  حيث المال هو الطعم الذي يُرمى لخيرة الكفاءات الشابة ، كما جاء في نص رفيف صيداوي.  هنا، الإستلاب ووجهه السري الإكتئاب هو العملة المتداولة اليوم.

استفاد الخطاب الرأسمالي  من التقدم العلمي والتقني وكرّسه لمصلحته. مما جعل من الرأسمالي والسلطان سيداً بواسطة آلية ال Perversion . اجتهدت كي أفهم مفردة pervers المتداوَلة بكثرة اليوم. ماذا يقول ال pervers : أنا أعرف.. بس ماشي الحال ، بمعنى من يتحرش بطفل يعرف جيداً أن هذا الأمر مخالف وشائن، ووجدت أن ما يعادل هذه المفردة باللغة العربية هو النفاق والخداع والكذب. وهذا ما نراه جليا في نص شعبان يوسف ورجاء نعمة ، حيث تزوير الحقائق يتم بسهولة ويُصدّ ق عليه من قبل من بيده الحل والربط . يصح هذا الأمر اليوم على الخطاب العام سواء كان فكريا أو سياسيا أو اجتماعيا او وعدا بالجنة. الرد على هذا النفاق هو فقط العنف المستشري. مما جعل من زمن الحداثة الفائقة، مع كل ما تقدمه من تسهيلات ، عربة يستطيع قيادتها أي كان.

شوق الباحثات  

ترغب الباحثات الإمسك بالزمن . زمن الترميز التقليدي وزمن المتعة الفائضة.

في الحالة الأولى تمّ إقصاء النساء من التسمية والوجود. وفي الحالة الثانية تمً إخضاعهن لصور أنوثة غاوية لإستهلاك مواد طبية وتجميلية ونصائح في الأمومة والرضاعة وغير ذلك كثير.

هذا الكتاب هو نصوص تهفو إلى الإمساك بأزمان متباينة. وهذا هو شوق الباحثات. شوق إلى الوصال . وصال مع الذات ومع الغير، وصال غنته أم كلثوم ، لذا سمي الزمن الجميل الذي أقلق حسام عيتاني.

الرغبة هي الشوق الممسك بمسار الحياة والذي هو مسارالكائن المتكلم في سعيه إلى الوصال مع ما تزخر به ذاته من أحلام ولكن هذا الشوق يبقى في حالة ملاقاة يومية مع النقص والفقد ، وذلك حتى قيام الساعة.

 

مداخلة الدكتورة سوسن الأبطح

http://aawsat.com/node/1123921

 

 

إتصل بنا

مركز توفيق طبارة - الطابق الثاني

الظريف - بيروت - لبنان - صندوق بريد 113-5375

 

 

Please publish modules in offcanvas position.